محمد بن جرير الطبري

49

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

واختلف أهل العربية في وجه دخول من في قوله : حافين من حول العرش والمعنى : حافين حول العرش . وفي قوله : ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك فقال بعض نحويي البصرة : أدخلت من في هذين الموضعين توكيدا ، والله أعلم ، كقولك : ما جاءني من أحد وقال غيره : قبل وحول وما أشبههما ظروف تدخل فيها من وتخرج ، نحو : أتيتك قبل زيد ، ومن قبل زيد ، وطفنا حولك ومن حولك ، وليس ذلك من نوع : ما جاءني من أحد ، لان موضع من في قولهم : ما جاءني من أحد رفع ، وهو اسم . والصواب من القول في ذلك عندي أن من في هذه الأماكن ، أعني في قوله من حول العرش ومن قبلك ، وما أشبه ذلك ، وإن كانت دخلت على الظروف فإنها بمعنى التوكيد . وقوله : يسبحون بحمد ربهم يقول : يصلون حول عرش الله شكرا له والعرب تدخل الباء أحيانا في التسبيح ، وتحذفها أحيانا ، فتقول : سبح بحمد الله ، وسبح حمد الله ، كما قال جل ثناؤه : سبح اسم ربك الأعلى ، وقال في موضع آخر : فسبح باسم ربك العظيم . وقوله : وقضي بينهم بالحق يقول : وقضى الله بين النبيين الذين جئ بهم ، والشهداء وأممها بالعدل ، فأسكن أهل الايمان بالله ، وبما جاءت به رسله الجنة . وأهل الكفر به ، ومما جاءت به رسله النار . وقيل الحمد لله رب العالمين يقول : وختمت خاتمة القضاء بينهم بالشكر للذي ابتدأ خلقهم الذي له الألوهية ، وملك جميع ما في السماوات والأرض من الخلق من ملك وجن وإنس ، وغير ذلك من أصناف الخلق . وكان قتادة يقول في ذلك ما : 23326 حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ويسبحون بحمد ربهم . . . الآية ، كلها قال : فتح أول الخلق بالحمد لله ، فقال : الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض ، وختم بالحمد فقال : وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين .